ابن كثير
234
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا ، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا « 1 » ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه ، وتصديقنا له ، قال : فأتى أبو طالب النبي صلّى اللّه عليه وسلم فحدثه بذلك ، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون ، وإلى ما يصيرون من قولهم ، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى قوله أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القارئ ، وواقد بن عبد اللّه الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ، وذو الشمالين ، ومرثد بن أبي مرثد ، وأبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب ، وأشباههم من الحلفاء ، فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ، وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا الآية ، فلما نزلت ، أقبل عمر رضي اللّه عنه ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فاعتذر من مقالته ، فأنزل اللّه عز وجل وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا الآية . وقوله وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي فأكرمهم بردّ السلام عليهم ، وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم ، ولهذا قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجبها على نفسه الكريمة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قال بعض السلف : كل من عصى اللّه فهو جاهل ، وقال معتمر بن سليمان ؛ عن الحكم بن أبان عن عكرمة ، في قوله مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قال : الدنيا كلها جهالة ، رواه ابن أبي حاتم ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ أي رجع عما كان عليه من المعاصي ، وأقلع وعزم على أن لا يعود ، وأصلح العمل في المستقبل ، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي » . أخرجاه في الصحيحين « 3 » ، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، ورواه موسى عن عقبة : عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وكذا رواه الليث وغيره ، عن محمد بن عجلان ، عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك . وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن أبان : عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إذا فرغ اللّه من القضاء بين الخلق ، أخرج كتابا من تحت العرش ، إن رحمتي
--> ( 1 ) في الطبري « وعسفاؤنا » : جمع عسيف ، وهو العبد والأجير . ( 2 ) مسند أحمد 2 / 313 . ( 3 ) صحيح البخاري ( توحيد باب 15 وبدء الخلق باب 1 ) وصحيح مسلم ( توبة حديث 14 - 16 )